محمد باقر الملكي الميانجي

227

مناهج البيان في تفسير القرآن

بكثرة الدعاء لك فنصبح من كيده في المعصومين بك . قوله تعالى : « فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ » . استجابة لدعائها وهو قولها : « فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . وقبول لنذرها لما في بطنها محرّرا . وبديهيّ أنّ هذا التقبّل لا يلائم بقبول النذر من حيث إنّه عمل لأمّ مريم بل تقبّل للمنذورة . وبديهيّ عند أولى الألباب أنّ تقبّله سبحانه ليس باللّفظ فقطّ ، بل تقبّل بالعمل والفعل الخارجي أيضا ، وهو سبحانه يقبل المذنبين بغفران ذنوبهم ، ويقبل العابدين بإكرامهم وإعزازهم بالعطايا والمواهب ، فهو سبحانه يقبل من لا يقبله البلاد ، ويرحم من لا يرحمه العباد ، فلا محاله يكون تقبّله تعالى للمذنبين بالغفران وللمحسنين بالإكرام والتطهير ، وبالتأييد والتسديد والعصمة ، فكلّ من الوافدين إليه - تعالى - بحسب مقامه ينال من إكرامه ومواهبه بقبوله تعالى . والتقبّل هو القبول عن رضا ورغبة ، والعناية في توصيف القبول بالحسن هي زيادة رغبته - تعالى - بالعطاء فوق التقبّل بالعطاء زيادة تامّة كاملة فوق ما كانت ترجو وتتمنّى . والتقبّل منه - سبحانه - حيث إنّه بالموهبة والكرامة ، إحسان منه تعالى ، فهو حسن بالذات . فتوصيفه بالحسن مزيد على حسنه . اللّهمّ إنّى أسألك من إحسانك بأحسنه وكلّ إحسانك حسن ، اللّهم إنّي أسألك بإحسانك كلّه . قوله تعالى : « وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً » . لا مانع من جعلها عطفا تفسيريّا على قوله : « فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ » فإنّ إنباتها بيد تربيته تعالى ، ومراقبتها تحت ولايته سبحانه ، وتزكيتها وتأييدها وتطهيرها من أن تدنس بنفث الشيطان وهمزه ولمزه ، مصداق للقبول الحسن . ولكنّ الإنصاف أنّ الإنبات أعمّ وأشمل وأعلى وأجلّ ، حتّى إنّه مع قطع النظر عن لحاظ مزيد عطاياه - سبحانه - من جهة القبول الحسن ، لا وجه لتقييد الإنبات بما بعد النذر ، بل يشمل بعناياته الكريمة المبذولة لها بما قبل النذر وما بعده . وما يتخيّل في بدو النظر من انصراف الإنبات بما بعد النذر وبما بعد القبول ، فإنّما هو انصراف بدويّ عاميّ يزول ويرتفع بالتدبّر ، فإنّ حيث القبول وحيث